الشيخ محمد هادي معرفة
386
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
مذهب الاعتزال ، كما رموه بذلك ، بل من زاوية فهم إنسان حرٍّ عاقلٍ أريبٍ ، ويحلّل الآيات تحليلًا أدبيّا في ذوق عربيّ أصيل ، الأمر الذي يتحاشاه أتباع مذهب الاشعريّ . مثلًا عندما تعرّض لتفسير قوله تعالى : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » « 1 » يقول : والوجه عبارة عن الجملة . والناضرة : من نضرة النعيم . إلى ربّها ناظرة : تنظر إلى ربّها خاصّة لا تنظر إلى غيره . وهذا معنى تقديم المفعول ، ألا ترى إلى قوله : « إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ » « 2 » ، « إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ » « 3 » ، « إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ » « 4 » ، « وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ » « 5 » ، « وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » « 6 » ، « عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ » « 7 » . كيف دلّ فيها التقديم على معنى الاختصاص ، ومعلوم أنّهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ، ولا تدخل تحت العدد ، في محشر يجتمع فيه الخلائق كلّهم ، فإنّ المؤمنين نظّارة ذلك اليوم ؛ لأنّهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . فاختصاصه بنظرهم إليه ، لو كان منظورا إليه ، محال ؛ فوجب حمله على معنى يصحّ معه الاختصاص . والذي يصحّ معه ، أن يكون من قول الناس : أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي ، تريد معنى التوقّع والرجاء . ومنه قوله القائل : وإذا نظرتُ إليك من مَلِكٍ * والبحر دونك زدتني نعما وسمعت سرويّة مستجدية بمكّة وقت الظهر ، حين يغلق الناس أبوابهم ، ويأوون إلى مقائلهم ، تقول : « عُيينتي نُويظرة إلى اللّه وإليكم » . والمعنى : أنّهم لا يتوقّعون النعمة والكرامة إلّا من ربّهم ، كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلّا إيّاه « 8 » . انظر إلى هذا التحقيق الأنيق الذي سمحت به قريحة مثل الزمخشريّ العلّامة الأديب الأريب ، ولكنّ أصحاب الرأي المعوجّ لم يرقهم هذا البيان الكافي الشافي ، فجعلوا يهرولون حوله في ضجيج وعويل ، زاعمين أنّه خالف رأي أهل السنّة ، وأوّل القرآن وفق
--> ( 1 ) - . القيامة 22 : 75 - 23 . ( 2 ) - . القيامة 12 : 75 . ( 3 ) - . القيامة 30 : 75 . ( 4 ) - . الشورى 53 : 42 . ( 5 ) - . آل عمران 28 : 3 ؛ النور ( 24 ) : 42 ؛ فاطر ( 35 ) : 18 . ( 6 ) - . البقرة 245 : 2 . ( 7 ) - . الشورى 10 : 42 . ( 8 ) - . الكشّاف ، ج 4 ، ص 662 .